إبراهيم اليوسف :أخطاء الكبار"كبار الأخطاء"
- التفاصيل
- نشر بتاريخ السبت, 18 شباط/فبراير 2012 14:08
- كتب بواسطة: نشرة سوبارو

ثمة ضريبة كبيرة، تترتب على الأسماء ذات الحضور الكبير في عوالم الفكر،
والإبداع، والفن، وهي أن أصحابها الذين حققوا شهرة ورسوخاً في هذه
المجالات، من خلال تميزهم الإبداعي، باتوا مراجع وأعلاماً يشار إليهم،
وباتت أسماؤهم منتشرة ليس في حدود أوطانهم وحسب، بل في أربع جهات الأرض،
كأن يكون أحدهم رائداً للحداثة الشعرية، وآخر تسمو لديه رؤية مناوأة
الظلم، في إهاب فني متألق، ومؤثر، وآخر يبرع في النقد أو الترجمة، وغيرهم
ممن سيعد نفسه راسخاً في أيديولوجيته كما قصيدته، وهي نماذج تتم الإشارة
إليها، في هذه الاستهلالة اعتباطاً، على اعتبارها غيضاً من فيض، واستطاعت
أن تكتسب نتيجة حضورها في مجالاتها المشار إليها .
ولعل مثل تلك الضريبة تكمن في أن هذه الأسماء التي جسَّرت علاقاتها، مع
الآخرين، لم تكن لتملك من سلطة في الوصول إلى إنجازاتها الكبرى، خارج
دائرة الفكر، والإبداع، فأصبحت نتيجة مكابداتها، وحفرها، ودأبها،
واشتغالها على مجالاتها المعروفة، داخلة في لجة السؤال المعرفي
والإبداعي، لتنال بذلك احترامها الكبير، خارج حدود جغرافياتها، وإن كان
هؤلاء عموماً، وللمصادفة، عاشوا فترات طويلة من أعمارهم وتجاربهم
الإبداعية، بعيداً عن أوطانهم، بسبب ذلك الخلل في معادلة المثقف والسلطة،
ونتيجة مواقف أكثرهم، كما هو معروف .
وإذا كان من الممكن أن ينزلق السياسي، إلى رامة الخطأ، نتيجة تكتيك، أو
منفعة ما، فإن المثقف مطالب بأن تكون رؤيته استراتيجية، وألا تخطئ بوصلته
البتة، لأن رؤيته متكونة من خلال تجربة طويلة ولها أسسها، ومعاييرها،
بعيداً عن أية نظرية، أو وصفة أيديولوجية، لأن في الموقف المسبق تعمية
لمن يقع في فخاخه، وإن كان من الضروري على المبدع، أن يتابع، ويقارن،
وجهات النظر المختلفة، المتناقضة، ويتأنى، قبل أن يصدر حكمه النهائي،
لأنه محسوب إليه أبداً، أكثر من غيره .
أجل، إن حساسية موقع المبدع، تدعوه إلى الحيطة، والحذر، قبل إصدار أي
موقف، فيما يتعلق بما حوله، لاسيما أن هناك ثنائيات لابد أن تكون مواقفه
منها معروفة سلفاً، ولعل أوضح هذه الثنائيات، بالنسبة إلى صاحب كل ضمير
وبصيرة: الخير والشر، والضحية والقاتل، إذ لايجوز الاجتهاد هنا، بل ولا
يمكن الاحتكام إلى النظرية، كما لا يمكن لوصفة الحداثة أن تفلح، لاسيما
أن الانحياز إلى السلطة في مواجهة الثورة، يعني نسف صلب الرؤية الحداثية،
وبالتالي نسف تاريخ هذا الحداثي العريق، نظرية وتطبيقاً، ناهيك عن أن أية
أيديولوجيا تتهافت على تزوير الموقف، لداع عرضي، فهي تظهر أمام العالم
أجمع، متهتكة، فاقدة ورقة توت عريها .
وإذا كان من الضروري أن تحافظ الأسماء الكبيرة على احترامها، من خلال
الاستمرار في الانحياز للحقيقة، وعدم القفز فوق معطيات الواقع، وتسمية
الأمور بأسمائها، لأن لاشيء البتة يسوغ التهاون أمام حرمة وكرامة مجرد
نقطة دم واحدة، فإن أية سقطة لمثل هذه الأسماء ستكون مدوية حقاً، بل
مدمرة لصاحبها، وهي قد تدعو لإعادة بعضهم النظر حتى في مواقع هؤلاء
الرؤيوية، والجمالية، والمعرفية، لأن عدم صدق صاحب الاسم الكبير في
موقفه، قد يكون له العلاقة بعدم صدقية ارتباطه بمجال رؤيته، وإبداعه .





















